يعد ثقة الإسلام محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي، المعروف بالكليني أو «الشيخ الكليني » أشهر عالم فقيه ومحدث للشيعة في النصف الأول من القرن الرابع الهجري.
ينحدر الكليني من أصل إيراني ومن قرية «كلين» الواقعة على بعد 38 كليومتراً عن مدينة الري والمنطقة الجنوبية الغربية من طريق قم – طهران قرب حسن آباد حالياً. ولذلك فقد عرف أيضاً بلقب «الرازي» نسبة إلى «الري»
كتب ياقوت الحموي، العالم الجغرافي المعروف (ت 626هـ):
«وقد حكى الإصطخري (كان حياً في 340هـ) أن الري كانت أكبر من أصبهان لأنه قال: والري مدينة ليس بعد بغداد في المشرق أعمر منها وإن كانت نيسابور أكبر عرصة منها، وهي مدينة مقدارها فرسخ ونصف في مثله، وقال: وللري قرىً كبار واحدة أكبر من مدينة».
وعلى أي حال، فقد كانت الري وقراها، من المراكز الشيعية منذ العصور الأولى؛ رغم أن السنة الحنفيين والشافعيين كانوا يشكلون غالبية أهالي الري ويقع مرقد والد الكليني، أي يعقوب بن إسحاق ـ والذي كان من كبار شيعة ذلك العصر ـ في قرية «كلين» وهو مزار لأهالي تلك المنطقة.
وكان عُلان الرازي (خال الكليني) وجمع آخر من الفقهاء والمحدثين الشيعة، مثل محمد بن عصام (تلميذ الكليني) من تلك القرية أيضاً.
مكانة الكليني في العالم الإسلامي
ولد ثقة الإسلام الكليني في عصر الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وكان معاصراً للسفراء الأربعة والوكلاء الخاصين بالإمام المهدي عليه السلام - والذين كانوا طيلة الغيبة الصغرى، حلقة الوصل بين الشيعة وإمام الزمان عليه السلام - . ورغم أن هؤلاء الأربعة كانوا من الفقهاء والمحدثين الكبار للشيعة وكان الشيعة يعرفونهم بجلالة القدر، إلا أن الكليني كان أشهر شخصية عالية القدر كانت تعيش في ذلك العصر محاطة بالاحترام بين السنة والشيعة وكانت تبذل الجهود البارزة من أجل الترويج للمذهب الحق ونشر معارف أهل البيت عليهم السلام وفضائلهم.
وكانت كافة الطبقات تثني عليه بصدق القول والعمل والإحاطة الكاملة بالأحاديث والأخبار؛ حتى ذُكر أن الشيعة والسنة كليهما كانوا يرجعون إليه في استفتاءاتهم وكان في هذا المجال موضع ثقة كلا الفرقتين واعتمادهما. ولذلك لقب بثقة الإسلام وهو أول عالم مسلم عرف بهذا اللقب وكان حقاً يستحق هذا اللقب الكبير.
كان الكليني عديم النظير في الإمانة والعدالة والتقوى والفضيلة وضبط الأحاديث وهي كلها من شروط المحدث الموثق الجامع للشرط - ، وعلى حد قول العلامة محمد تقي المجلسي:
كان منقطع النظير بين جميع علمائنا وأولئك الذين رووا عنه، وكذلك في نظم وترتيب كتابه الكافي، وهذه المزايا دليل على أنه كان يحظى بتأييدات خاصة من جانب الله تعالى.
الكليني من وجهة نظر علماء الشيعة
يقول شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، زعيم فقهاء الشيعة (تـ 460هـ)، في كتابه الجليل الرجال، باب «مَنْ روى عن الائمة»:
«محمد بن يعقوب الكليني يكني أبا جعفر الأعور، جليل القدر عالم بالأخبار، وله مصنفات يشتمل عليها الكتاب المعروف بالكافي، مات سنة تسع وعشرين وثلثمائة في شعبان في بغداد ودفن في باب الكوفة وذكرنا كتبه في الفهرست
وهو يذكر في الفهرست جميع كتب الكافي وعدداً من كتب الكليني الأخرى ـ التي سنتعرف عليها ـ ثم يتحدث عن طرق رواياته بها من أساتذته الشيخ المفيد، الحسين بن عبيد الله الغضائري، الشريف المرتضى وأحمد بن عبدون
وذكره العالم الرجالي العظيم الشأن، أبو العباس أحمد بن علي بن العباس، المعروف بـ «بالنجاشي» (ت 245هـ)، في كتابه النفيس والمعروف الرجال، والذي اعتبر أشهر عالم رجالي بين الشيعة وألف كتابه الرجال بعد الفهرست، والرجال للشيخ للطوسي - ، ذكر عالمنا الشهير الكليني كالتالي:
«محمد بن يعقوب بن إسحاق أبو جعفر الكليني، وكان خاله علان الكليني الرازي شيخ أصحابنا في رقعة بالري ووجههم وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم، صنّف الكتاب الكبير المعروف بالكليني يسمى الكافي في عشرين سنة».
ثم يذكر بعد ذلك كتاب الكافي ومؤلفاته الأخرى بالتفصيل الذي سنذكره
وذكره بعد الشيخ والنجاشي اللذين يمثلان إمامي علماء الرجال والتراجم، علماؤنا الكبار الآخرون حيثما صادفوا اسم الكليني، أو ذكروا كتابه الكبير والشهير الكافي، حيث ذكروه باعتباره أوثق علماء الشيعة في فهم الحديث ونقله وضبطه وحسن ترتيب كتابه الكافي وتنظيمه.
واستخدم ابن شهرآشوب المازندراني، العلامة الحلي وابن داود كالعادة نفس تعابير الشيخ والنجاشي في الثناء عليه.
كتب السيد ابن طاوس (ت 664هـ) قائلاً:
«الشيخ المتفق على ثقته وأمانته محمد بن يعقوب الكليني».
ويقول الشيخ الحسين بن عبد الصمد العاملي (والد الشيخ البهائي):
«محمد بن يعقوب الكليني (رض) شيخ عصره في وقته ووجه العلماء والنبلاء، كان أوثق الناس في الحديث وأنقدهم له وأعرفهم به»
وذكر الملا خليل القزويني الفقيه والمحدث الشهير، في شرحه الفارسي لأصول الكافي:
اعترف بفضله العدو والصديق
وكتب العلامة المجلسي في مرآة العقول شرح أصول الكافي:
«وابتدأت بكتاب الكافي للشيخ الصدوق ثقة الإسلام مقبول طوائف الأنام وممدوح الخاص والعام
وصرح الميرزا عبدالله الأصفهاني، المعروف بالأفندي، العالم المعروف وتلميذ العلامة المجلسي قائلاً:
«ثقة الإسلام، هو في الأغلب يراد منه أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، الرازي، صاحب الكافي وغيره، الشيخ الأقدم المسلّم بين العامة والخاص والمفتي لكلا الفريقين»
وأكد الميرزا محمد النيسابوري قائلاً:
«ثقة الإسلام، قدوة الأعلام والبدر التمام، جامع السفن والآثار، في حضور سفراء الإمام عليه أفضل السلام الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي محيي طريقة أهل البيت على رأس المائة الثالثة»
الكليني في رأي علماء العامة
شخصية الكليني عظيمة في رأي علماء العامة وخاصة مؤرخيهم الذين جاؤوا بعده. فقد أجله الجميع وأشادوا بعظمته وفضله.
كتب ابن الأثير الجزري في كتابه الشهير جامع الأصول قائلاً:
«بأنه رحمه الله كان من المجددين لهذه الشريعة على رأس المائة الثالثة»
ثم ينقل ابن الأثير رواية عن النبي(ص) يقول فيها:
«إن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»
ثم يعمد إلى البحث بشأن هذا الحديث فيقول:
«والمجددين لمذهب الشيعة ففي رأس المائة الأولى الهجرية محمد بن علي الباقر الإمام الخامس وفي رأس المائة الثانية علي بن موسى الرضا وفي رأس المائة الثالثة أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي»
وتتجلى مما ذكره ابن الأثير بوضوح مكانة الكليني ومنزلته وندرك من كلامه أنه كان في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجري، أشهر علماء الشيعة، حيث اعتبروه مجدد المذهب بعد الإمامين.
واعتبر الأخ الأصغر لابن الأثير (عز الدين علي بن الأثير الجزري) في بداية حوادث سنة 328هـ، في كتاب الكامل في التاريخ، الكليني أول عالم توفي في تلك السنة، وذكر قائلاً:
محمد بن يعقوب أبو جعفر الكليني ـ الذي كان من أئمة الشيعة وعلمائهم ـ توفي في هذه السنة
ويجب الالتفات إلى أن العالم والباحث المعاصر، الدكتور حسين علي محفوظ، نقل في مقدمة الكافي، ص 21، عبارة جامع الأصول خطأ عن علي بن الأثير، في الكامل وتصور أن صاحب جامع الأصول والكامل كان شخصاً واحداً.
وذكر الفيروزآبادي العالم اللغوي الكبير في القاموس المحيط، الكليني في ذيل كلمة «كلين» واعتبره من فقهاء الشيعة
وذكر ابن حجر العسقلاني (تـ 852هـ) في كتابه المعروف لسان الميزان ـ الذي ذكر بشكل مجمل ومفصل تراجم علماء العامة وأحياناً الخاصة حتى عصره ـ حول عالمنا الكبير فقال:
«محمد بن يعقوب بن إسحاق أبو جعفر الكليني الرازي، سكن بغداد وحّدث بها عن محمد بن أحمد الجبار وعلي بن إبراهيم بن عاصم وغيرهما وكان من فقهاء الشيعة والمصنفين على مذهبهم»
كما قال ابن حجر في كتابه الآخر التبصير:
«أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني من رؤساء فضلاء الشيعة في أيام المقتدر».
وبالإضافة إلى أولئك العلماء ، فإن علماء العامة الآخرين ذكروا الكليني حيثما صادفوا اسمه، باعتباره عالماً كبيراً وفقيهاً معروفاً وأحد أئمة الشيعة المتقدمين.
أساتذة الكليني
التقى ثقة الإسلام الكليني علماء كباراً وفقهاء ومحدثين كثراً في الري وقم وبغداد والبلاد الإسلامية الأخرى القاصية والدانية ـ التي لم تتضح لنا اليوم على وجه الدقة ـ وذلك في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، ونال نصيباً من معلوماتهم ومحفوظاتهم وأفاد الكثير منهم ونال منهم الإجازات؛ حيث كانت هذه الإجازات في تلك العهود من أولئك الرجال العظام إلى هذا العالم الكبير، ذات قيمة فائقة. وتذكر كتب الرجال والتراجم، أسماء أربعين من الفقهاء والمحدثين الذين كانوا يعتبرون من أساتذته ومشايخه وأدى الكليني لديهم فروض التتلمذ.
وفضلاً عن علماء العامة الذين ذكرهم ابن حجر العسقلاني، فإن هذه المجموعة من مفاخر فقهاء الشيعة ومحدثيهم والذين عرفناهم في المجلدين الأول والثاني من مفاخر الإسلام وذكرناهم بالإجمال والتفصيل، كانوا من مشاهير أساتذة ثقة الإسلام الكليني، هذا العالم الشيعي المتقدم ، وهم:
أحمد بن محمد بن عيسى، أحمد بن إدريس القمي (ت 306هـ)، أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني المعروف بابن عقدة (333هـ)ن أحمد بن محمد بن عاصم الكوفي، أحمد بن مهران، إسحاق بن يعقوب، الحسن بن حنيف، الحسن بن الفضل بن يزيد اليماني، الحسين بن الحسن الحسيني الأسود، الحيسن بن الحسن الهاشمي الحسني العلوي، الحسين بن علي العلوي، الحسين بن محمد بن عمران الأشعري القمي، حميد بن زياد النينوائي (310هـ)، داود بن كورة القمي، سعد بن عبدالله بن جعفر الحميري، علي بن إبراهيم القمي (ت 307هـ)، علي بن الحسين السعد آبادي، علي بن عبد الله الخديجي الأصفر، علي بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي (خاله، المعروف بُعلان الرازي)، علي بن محمد بن أبي قاسم البندار، عبدالله بن أحمد بن عبدالله البرقي، علي بن موسى بن جعفر الكميداني، قاسم بن علاء، أبو الحسن محمد بن عبدالله الأسدي الكوفي (الساكن في الري)، محمد بن الحسن الصفار (290هـ)، محمد بن علي معمر الكوفي، محمد بن يحيى العطار، ويبلغ مجموعهم 35 شخصاً، وغيرهم.
تلامذة الكليني
تعتبر هذه الطائفة من فقهاء الشيعة ومحدثيهم المعروفين، والذين كانوا مشاهير علمائنا في النصف الأول وأواسط القرن الرابع الهجري في إيران والعراق وأساتذة الكثير من العلماء المعروفين في النصف الثاني من القرن الرابع، من جملة تلامذة الكليني (مؤلف الكافي):
أحمد بن إبراهيم المعروف بابن أبي رافع الصيمري، أحمد بن الكاتب الكوفي، أحمد بن علي بن سعيد الكوفي، أحمد بن محمد بن علي الكوفي، أبو غالب أحمد بن محمد الزراري (285 – 368هـ)، جعفر بن محمد بن قولويه القمي (368هـ)، عبدالكريم بن عبدالله بن نصر البزاز التنيسي، علي بن أحمد بن موسى الاقاق، محمد بن ابراهيم النعماني المعروف بان أبي زينب – وكان خصيصاً يكتب كتابه الكاني ـ محمد بن أحمد الصفواني، نزيل بغداد ـ تلميذه الخاص به يكتب كتابه الكافي وأخذ عنه العلم والأدب وأجاز الكليني له في قراءة الحديث.
محمد بن أحمد السناني الزاهري، نزيل الري، أبو الفضل محمد بن عبدالله بن مطلب الشيباني، محمد بن علي ماجيلويه، محمد بن محمد بن عصام الكليني، هارون بن موسى التلعكبري الشيباني (ت 385هـ)، ويبلغ مجموعهم 15 شخصاً، وأشخاص آخرون من كبار العلماء.
مؤلفات الكليني
اعتبر الشيخ الأجل الطوسي والعالم الرجالي النجاشي، الكتب التالية من مؤلفات الكليني:
1. كتاب الرجال،
2. كتاب الرد على القرامطة
3. كتاب وسائل الأئمة عليهم السلام،
4. كتاب تعبير الرؤيا،
5. مجموعة شعر (تضم القصائد التي نظمها الشعراء في مناقب وفضائل أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام،
6. كتاب الكافي (سنذكره بشكل مستقل).
وفاة الكليني ومرقده في بغداد
توفي ثقة الإسلام الكليني ـ هذا المحدث المتقدم العظيم الشأن الذي كان عين الشيعة ومنارهم في ذلك العصر ومفخرة علماء بغداد خاصتهم وعامتهم ـ بعد كل تلك المعاناة والمساعي والتصنيف ونشر مذهب أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، توفي أخيراً سنة 328 أو 329 وصادفت وفاته بداية الغيبة الكبرى لإمام الزمان عليه السلام – في مدينة بغداد لتحلق روحه نحو رحاب الجنان. ومرقده اليوم معروف في الجهة الشرقية من نهر دجلة، قرب جسر بغداد القديم، وهو مزار للمسلمين (تاريخ ولادة الكيلني غير معروف).
وقد ضبط الشيخ الطوسي في الفهرست، سنة وفاة الكليني وذكر أنها 328هـ، ولكن النجاشي في رجاله والشيخ نفسه في الرجال أيضاً واللذين ألفا كلاهما بعد الفهرست ـ صرحا بأن الكليني توفي في سنة 329هـ ؛ ونحن أيضاً نعتبر هذا التاريخ معتبراً، وفي هذه السنة توفي الشيخ الأجل أبو الحسن الصيمري أيضاًـ النائب الرابع لإمام الزمان عليه السلام ـ وبرحيله بدأت غيبته الكبرى الطويلة وأصبح المجتمع الشيعي يعيش وضعاً خاصاً. ولكن وجود كتاب الكافي، أضاء كالنجم الساطع، سماء آمال الشيعة المظلمة، حتى عمد العلماء اللاحقون إلى تعميم وتوسيع عمل الكليني ونشر آثار أهل بيت العصمة عليهم السلام على نطاق أوسع.
شكر الله مساعيهم الجميلة
ورحمة الله عليهم أجمعين رحمة واسعة